علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

192

ثمرات الأوراق

له العالم : أيّها الملك ، أنت نويت لهذا البيت سوءا ؟ قال : نعم ، نويت خرابه وقتل رجاله وسبي نسائه . فقال له العالم : أيّها الملك ، هذه النّيّة هي الّتي أحدثت لك هذا الدّاء ، وربّ هذا البيت قادر يعلم الأسرار ، فبادر وأخرج من قلبك ما هممت به من أمر هذا البيت وأهله ، ولك خير الدّنيا والآخرة . قال الملك : قد أخرجت ذلك من قلبي ، ونويت لهذا البيت المبارك ولأهله كلّ خير فلم يخرج العالم من عنده حتى برأ من علّته ، وعافاه اللّه تعالى بقدرته ، فآمن باللّه من ساعته ، وخلع على الكعبة سبعة أثواب ، وهو أوّل من كسا الكعبة ، وخرج إلى يثرب وهي يومئذ بقعة فيها عين ماء ليس فيها بيت ، فنزل على رأس العين هو وعسكره وجميع العلماء الذين كانوا معه ، ومعهم رئيسهم عماريا الذي يرى الملك برأيه . ثم إن العلماء والحكماء أخرجوا من بينهم أربعمائة وهم أعلمهم ، وبايع كلّ واحد منهم صاحبه ألّا يخرجوا من ذلك المقام وإن قتلهم الملك . فلمّا علم الملك بما عزموا عليه ، قال للوزير : ما شأنهم يمتنعون عن الخروج معي ، وأنا محتاج إليهم ؟ وأيّ حكمة اقتضت نزولهم في هذا المكان ، واختيارهم إيّاه على سائر النّواحي ؟ فسألهم الوزير عن ذلك ، فقالوا : أيها الوزير إنّ ذلك البيت وهذه البقعة التي نحن فيها يشرفان برجل يبعث في آخر الزّمان يقال له محمّد ، ووصفوه له . ثم قالوا : طوبى لمن أدركه وآمن به ، ونحن على رجاء أن ندركه أو تدركه أولادنا . فلمّا سمع الوزير مقالتهم همّ بالمقام معهم ، فلمّا جاء وقت الرّحيل أمرهم الملك أن يرتحلوا ، فقالوا : لا نفعل ، وقد أعلمنا الوزير بحكمة مقامنا ، فدعا بالوزير فأخبره بما سمع منهم . فتفكّر الملك ، وهمّ أن يقيم معهم ، رجاء أن يدرك محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، فأقام وأمر الناس أن يبنوا أربعمائة دار على عدة العلماء والحكماء ، واشترى لكلّ واحد منهم جارية وأعتقها وزوّجها برجل منهم ، وأعطى كلّ واحد منهم عطاء جزيلا ، وأمرهم أن يقيموا في ذلك المكان إلى أن يجيء زمان النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم . ثم كتب الكتاب ، وختمه بخاتم من ذهب ، ودفعه إلى عالمهم الكبير ، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمّد صلى اللّه عليه وسلم إن أدركه ، وإلّا فيوصي به أولاده مثل ما أوصاه به ، وكذلك الأولاد حتى يتّصل بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وكان في ذلك الكتاب : أمّا بعد ؛ فإنّي آمنت بك ، وبكتابك الّذي أنزل عليك ، وأنا على دينك وسنّتك ، وآمنت بربّك وبكلّ ما جاء من ربّك من شرائع الإيمان والإسلام ، فإن أدركتك فيها ونعمت ، وإلّا فاشفع لي ولا تنسني يوم القيامة ، فإنّي من أمّتك الأوّلين ، وقد بايعتك قبل مجيئك ، وأنا على ملّتك وملّة أبيك إبراهيم عليه السّلام . ثم ختم الكتاب ونقش عليه : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] . وكتب عنوانه : إلى محمد بن